الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
172
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وخامسها : تشبيههم بالجراد المنتشر في الاكتظاظ واستتار بعضهم ببعض من شدة الخوف زيادة على ما يفيده التشبيه من الكثرة والتحرك . وسادسها : وصفهم بمهطعين ، والمهطع : الماشي سريعا مادّا عنقه ، وهي مشيئة مذعور غير ملتف إلى شيء ، يقال : هطع وأهطع . وسابعها : قولهم : هذا يَوْمٌ عَسِرٌ وهو قول من أثر ما في نفوسهم من خوف . و عَسِرٌ : صفة مشبهة من العسر وهو الشدة والصعوبة . ووصف اليوم ب عَسِرٌ وصف مجازي عقلي باعتبار كونه زمانا لأمور عسرة شديدة من شدة الحساب وانتظار العذاب . وأبهم شَيْءٍ نُكُرٍ للتهويل ، وذلك هو أهوال الحساب وإهانة الدفع ومشاهدة ما أعد لهم من العذاب . وانتصب خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ على الحال من الضمير المقدر في يَدْعُ الدَّاعِ وإمّا من ضمير يَخْرُجُونَ مقدما على صاحبه . وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم وأبو جعفر خُشَّعاً بصيغة جمع خاشع . وقرأه أبو عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف خاشعا بصيغة اسم الفاعل . قال الزجاج : « لك في أسماء الفاعلين إذا تقدمت على الجماعة التوحيد والتذكير نحو خاشعا أبصارهم . ولك التوحيد والتأنيث نحو قراءة ابن مسعود خاشعة أبصارهم ولك الجمع نحو خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ اه . و أَبْصارُهُمْ فاعل خُشَّعاً ولا ضير في كون الوصف الرافع للفاعل على صيغة الجمع لأن المحظور هو لحاق علامة الجمع والتثنية للفعل إذا كان فاعله الظاهر جمعا أو مثنى ، وليس الوصف كذلك ، كما نبه عليه الرضيّ على أنه إذا كان الوصف جمعا مكسّرا ، وكان جاريا على موصوف هو جمع ، فرفع الاسم الظاهر الوصف المجموع أولى من رفعه بالوصف المجموع المفرد على ما اختاره المبرد وابن مالك كقول امرئ القيس : وقوفا بها صحبي على مطيّهم وشاهد هذا القراء . وقوله : يَقُولُ الْكافِرُونَ إظهار في مقام الإضمار لوصفهم بهذا الوصف الذميم وفيه تفسير الضمائر السابقة .